YOOtheme
تشرين1
26

ريادة تقنية التحسس النائي في مشاريع الاستثمار الآنية والمستقبلية في محافظة نينوى
طباعة
PDF

 

أ. د. حكمت صبحي الداغستاني
مدير مركز التحسس النائي / جامعة الموصل
يعتمد تحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة في وقتنا الحاضر بشكل أساسي على مدى الإمكانية والكفاءة في توفير الخدمات المعلوماتية وبما يتلاءم والاحتياجات المتجددة لأولويات برامج التنمية.

لقد أدركت الدول المتقدمة هذه الحقيقة فاستثمرت الكثير من الوقت والمال في تطوير تقنية جمع البيانات وتحليلها وأرشفتها بمختلف تطبيقاتها لتلبي حاجة مجتمعاتها الآنية والمستقبلية.

تُعَرَف تقنية التحسس النائي بأنها وسيلة متطورة لجمع المعلومات الجيومورفولوجية واستخلاص المعلومات عن معالم سطح الأرض ومواردها الطبيعية بوساطة الإمكانات العالية التي توفرها أنظمة المتحسسات المحمولة على المتون الجوية والفضائية إلى جانب تقنيات نظم المعلومات الجغرافية. إن جوهر هذه النقطة المهمة يكمن في أنظمة جمع المعطيات وتفسيرها، إذ يتركز على الصفات والخواص الطيفية لمعالم أشكال سطح الأرض المختلفة، لهذا فمن الضروري جداً فهم هذه الصفات الطيفية بعمق واختيارها على ضوء التغيرات الزمانية والمكانية التي تؤثر عليها أثناء التقاط تلك المعطيات بإحدى تقنيات التحسس النائي. يُعدّ تصنيف أشكال سطح الأرض المفتاح الذي يتم البناء عليه في تفسير معطيات التحسس النائي، إذ يمكن استخدام تلك الأشكال وسيلة لتحديد وحدات متجانسة من معالم سطح الأرض، تترابط فيها عناصر الشكل والبنية الجيولوجية وطبيعة المنحدرات ونوعية التربة والحياة النباتية، فضلاً عن معرفة نشأتها وتطورها الجيومورفولوجي. إن هذه الوحدات المتجانسة طيفياً ملائمة لاختيار عينات للاختبار الحقلي على أساس عناصر محددة تتناسب والأغراض البحثية المطلوبة، كما يمكن استخدام نتائجها في التنبؤ بخصائص مناطق أخرى غير مدروسة مشابهة لها بإستخدام أسلوب المقارنة الطيفية.
إن الاختلافات في طبيعة نشاطات استخدامات الأرض، في الزمان والمكان، غالباً ما تؤدي إلى اختلافات في الغطاء الأرضي والتي تمثل دليلاً واضحاً على فعاليات إدارة تلك الأراضي. تعد محافظة نينوى (الشكل رقم 1) من أكثر مناطق العراق تبايناً في طبيعتها لتميزها بعدم انتظام استخدامات الأرض فيها واختلاف بيئاتها نتيجة التباين الكبير في مظاهر الأشكال الأرضية والتي يشكل فيها العامل الجيومورفولوجي الأساس في التوزيع المكاني لأنواع الترب والمكاشف الصخرية، والذي يمثل انعكاساً واضحاً على نوع المحاصيل الزراعية والنمط السائد لاستخدامات الأرض فيها.

تقدم تقنية التحسس النائي دعماً مهماً للعديد من التطبيقات في مشاريع خطة الاستثمار التي تأمل هيئة استثمار نينوى تنفيذها من خلال دراسة وتحليل المرئيات الفضائية الملتقطة بوساطة الأقمار الاصطناعية عبر سلسلة من هذه المرئيات لتشمل إعداد وتنفيذ قاعدة معلومات من الخرائط الغرضية الخاصة بتوزيع استخدامات الأرض والغطاء الأرضي وتباين مظاهر الأشكال الأرضية والطبيعة الجيولوجية والتكتونية التي ساهمت بوضوح في تشكيل وتوزيع مصادرنا النفطية والمعدنية في عموم المحافظة والعراق بشكل عام.
مشروع الخارطة الجيومورفولوجية لمحافظة نينوى
استُخدِمت المرئيات الفضائية لإنجاز التحليل الجيومورفولوجي المفصل لمحافظة نينوى، وقد أظهرت النتائج وجود ثلاث وحدات جيومورفولوجية رئيسة حسب المنشأ التكويني إلى جانب تصنيف ووصف أربع عشرة وحدة ثانوية متباينة الخصائص ضمنها، حيث ألفت مفردات خارطة التعبير الجيومورفولوجي والتي أُعدت بمقياس 250,000/1 شكل رقم (2).
استُخدِمت هذه المعلومات في إعداد تخريط جيومورفولوجي شامل لمحافظة نينوى يُوضِّح العلاقة بين وحدات أشكال سطح الأرض ومختلف العمليات الجيومورفولوجية فضلاً عن الإمكانية المستقبلية لاستخدامها قاعدة بيانات ومعلومات للمشاريع والخرائط والدراسات المقبلة.
أولاً: الأشكال الجيومورفولوجية ذات المنشأ التكتوني:
هي مرتفعات ذات انحدارات شديدة نسبياً وأسطحها غير مستوية، تمتاز عموماً بالتواء التكوينات الصخرية فيها مكونة الطيات المحدبة والمقعرة. تتميز المناطق الشمالية والشمالية الشرقية من المحافظة بهذا النمط من التضاريس الأرضية.وغالبية هذه التراكيب الجيولوجية حاوية على الثروات الطبيعية ويأتي في مقدمتها النفط والكبريت وحجر الكلس والجبس ... وغيرها.
حددت هذه الخارطة العلاقة بين أشكال سطح الأرض والعمليات الجيومورفولوجية نسبةً إلى النشاط التكتوني، فضلاً عن إعطاء العلاقة المتبادلة بين النطاقات المورفوتكتونية ومناطق الاستكشافات النفطية الواعدة في محافظة نينوى.
1. نطاق تراكيب الطيات عالية التضاريس
2. نطاق تراكيب الطيات واطئة التضاريس
3. نطاق التلال التعروية المسيطر عليها تكتونياً
4. حوض مجرى نهر دجلة وروافده
5. مجاري الوديان الجافة الموسمية
6. المدرجات النهرية ذات المستوى الواطئ
7. المدرجات النهرية ذات المستوى العالي
8. حوض بحيرة سد الموصل
9. مناطق منخفضات السبخات الملحية
ثانياً: الأشكال الجيومورفولوجية ذات المنشأ النهري :
تظهر أغلب الأنهار دائمة الجريان والأودية الجافة والمسطحات المائية بوضوح على المرئيات الفضائية نظراً لاختلاف انعكاساتها الطيفية عن المناطق المحيطة بها فضلاً عن شكلها المورفولوجي المميز.
تُعدّ هذه الأشكال العصب الرئيس لديمومة الحياة وتقدمها لتأثيرها على تطوير الواقع الزراعي والإروائي واقتراح المواقع الملائمة لخزانات المياه السطحية واستغلال المياه الجوفية في عموم المحافظة.
ثالثاً: الأشكال الجيومورفولوجية ذات المنشأ التعروي:
تمثل تقنية التحسس النائي وسيلةً للتعريف عن مظاهر سطح الأرض الناجمة عن العمليات التعروية والترسيبية المختلفة. عموماً يتم تمييز أشكال سطح الأرض بالتعرف على العمليات المورفوديناميكية الطبيعية التي كونتها، وغالباً ما يعطي مؤشراً لأنواع المواد المتوقع وجودها فيها.
10. سطوح انحدارات أقدام الجبال التراكمية المستقرة.
11. سطوح انحدارات أقدام الجبال التعروية المختلطة.
12. مناطق سطوح التعرية النشطة
13. إقليم الكارست وحفر الإذابة الغائرة والمجاري الجوفية.
14. نطاق الترسبات الريحية تعكس كل مجموعة من الأشكال الأرضية آنفة الذكر توازناً متبايناً بين مختلف العمليات الباطنية والظاهرية مع طبيعة أسلوب ونشوء وتطور تضاريس سطح الأرض في شمال العراق منذ حقبة المايوسين المتأخر والى وقتنا الحاضر.
مشروع خارطة استخدامات الأرض والغطاء الأرضي لمحافظة نينوى
أوضحت خارطة استخدامات الأرض والغطاء الأرضي لمحافظة نينوى مجمل الفعاليات الظاهرة في عموم المحافظة بشكل عام بسبعة وعشرين صنفاً ضمن المستوى الثالث من هذا النظام، والتي أُنجزت في مركز التحسس النائي في جامعة الموصل وبمقياس رسم 1/000,250 الشكل رقم (3)، وجُـدوِلت بنظام تصنيف خاص موضح في الجدول رقم (1)، اعتماداً على نظام مصلحة المساحة الجيولوجية الأمريكية (USGS).
إن البرنامج الوطني لإعداد خرائط التقسيم البيئي الزراعي للعراق يهدف إلى إعداد خرائط عن صلاحية التربة للمحاصيل الزراعية الرئيسة، وصادقت وزارة الزراعة العراقية على هذا البرنامج عام 2000م وبالتعاون مع منظمة ايكاردا، لكن ظروف العراق الأخيرة أوقفت إكمال البرنامج.
يتطلب البرنامج المذكور آنفاً تطوير جداول تتضمن الصفات الفيزياوية المؤثرة على نموكل نوع من المحاصيل المطلوب تقييم نموها وإيجاد العلاقة بين أهمية خواص التربة والحاصل الزراعي المتوقع كماً ونوعاً.
إن الهدف من إعداد هذه الخارطة هو وصف البيئة الزراعية الحالية ومعرفة صلاحية التربة للمحاصيل الزراعية الرئيسة في عموم المحافظة إلى جانب وصف استخدامات الأرض والغطاء الأرضي الحالي، وعمل الدراسات وإجراء الفحوصات اللازمة لاستخدامها كتركيبة متكاملة لعمليات إدارة الأراضي لتوفير ما يؤمن وجود قاعدة موارد موحدة، شاملة، متكاملة، مع ميزة سهولة التعامل مع ما فيها من بيانات ومعلومات، لتكون في الوقت ذاته مرجعاً فاعلاً عند اتخاذ القرارات للتنمية الشاملة في خطط الاستثمار المستقبلية في عموم أنحاء المحافظة.
إن الاستراتيجية الجديدة لتطوير محافظة نينوى تهدف إلى بناء اقتصاد متنوع يعتمد على النفط  والزراعة والصناعة للوصول إلى مستوىً عالٍ من الاكتفاء الذاتي لمواجهة الاحتياجات الاستهلاكية المتنامية للتوسع السكاني المتزايد وبما يتلائم والاحتياجات المتجددة لبرامج التنمية في عموم القطر.
الخلاصة
لا يفوتنا ذكر ضرورة كسب رهان التقنية وجمع المعلومات وهو من التحديات الكبرى التي واجهت وستواجه بلدان العالم النامي للمحافظة على الثروات الطبيعية ومراعاة متطلبات حماية البيئة وضمان التنمية المستديمة، مما يتطلب وضع سياسة محددة واستراتيجية واضحة ومفصلة تتوافق والقفزات المتزايدة للتحديث التقني المستمر للعمل التنموي الشامل، الأمر الذي يعطي الأولوية لرفع القدرات الذاتية للبلاد.
كانت ريادة تقنية التحسس النائي لإعداد الخرائط الغرضية من أكثر الأنشطة شيوعاً في العقود الثلاثة الماضية لافتقار العالم عامةً والنامي خاصةً إلى الخرائط الضرورية لعمليات البناء والتنمية الوطنية، رغم ذلك فإن الموجود وحتى المنجز منها لا يفي بالحاجة الفعلية لهذا الغرض، هذا النقص الذي أصبح حقيقة مؤكدة لا يمكن إغفالها لتأثيره السلبي في المساعي المنصبة للتنمية ليس على الصعيد المحلي ولا العربي فحسب بل وللأسف في تقارير الأمم المتحدة (UNHDR, 1997).
يتطلب تطوير قطاع التقنية اتخاذ سياسة وطنية في ميدان البحث العلمي والعملي واكتساب النظرة الموضوعية الشاملة فضلاً عن توظيف واستغلال الموارد المالية والبشرية المتاحة وتقويم الجهود المبذولة في هذا المجال من قبل المراكز البحثية التخصصية التي ساهمت وتساهم فعلياً في دعم الاقتصاد الوطني والتنمية بجوانبها المتعددة، ويتبين دور المراكز هذه بتقديم الدراسات الميدانية والبحوث التطبيقية والاستشارات العلمية وغيرها التي تصب في مسار التنمية وازدهارها في بلدنا الغالي.
تقنية التحسس النائي مصدر أساس للمعلومات الخاصة بدراسة الظواهر الجيومورفولوجية والمسح الجيولوجي وعمل الخرائط الغرضية، فهي تدّخر الكثير من الجهود وتخفّض التكاليف المالية والبشرية للبحث والتنقيب عن الثروات الطبيعية المتجددة وغير المتجددة. يفخر مركز التحسس النائي في جامعة الموصل بإنجاز باكورة الخرائط الغرضية على مستوى القطر والتي ستصبح قاعدة بيانات مكانية لمحافظة نينوى وازدادت أهميتها أكثر مع مرونة دمجها مع نظم المعلومات الجغرافية للحصول على معلومات دقيقة لاختيار المواقع المثلى للمنشآت الهندسية والإروائية والصناعية والخدمية التي يُؤمل التخطيط لها وإنجازها في المستقبل القريب والبعيد لأنحاء المحافظة كافةً. يُعد دمج الخرائط الغرضية مع برمجيات نظم المعلومات الجغرافية من المهام الحيوية حينما يكون من واجب القائمين بأعمال التنمية الإقليمية والاستثمار اتخاذ قرارات حاسمة تُبنى عليها دراسات الجدوى للمشاريع التنموية.

الشكل رقم (2)

الخارطة الجيومورفولوجية لمحافظة نينوى

(عن الداغستاني، 2007)

 

الشكل رقم (3)
خارطة استعمالات الأرض
والغطاء الأرضي
لمحافظة نينوى
(عن الداغستاني، 2008)

 

الكاتب: مجلة مستثمرون. Posted in العدد الاول - مجلة مستثمرون - بحوث