YOOtheme
تشرين1
26

اهمية الضرائب في التعامل مع الاستثمار
طباعة
PDF

د. خالد حامد عبد

باحث علمي ومحاضر جامعي/وزارة المالية

يشهد العقد الحالي إصلاحاً اقتصادياً واسع النطاق في معظم البلدان النامية بما في ذلك الدول العربية، وذلك بهدف زيادة معدلات النمو الاقتصادي وإحداث توازن في الموازنة العامة للدولة وفي ميزان المدفوعات من خلال ترشيد الإنفاق العام وزيادة الموارد الضريبية وتنشيط الصادرات وزيادة الاستثمارات والادخار وإعطاء دور حيوي ومهم للقطاع الخاص في المساهمة في عملية التنمية وإصلاح القطاع العام، فضلاً عن كبح جماح الاستهلاك من خلال إلغاء الدعم وفرض الضرائب على الاستهلاك ومعالجة المشكلات الاجتماعية كالفقر والبطالة وتدني مستويات الدخل فضلاً عن سوء توزيعه، وقد نجحت بعض الدول في تنفيذ برامجها الإصلاحية. وما زال البعض الآخر يتعثر في ذلك لوجود صعوبة بالغة في التوفيق بين الأهداف المتناقضة كترشيد الاستهلاك وضغط الإنفاق العام لمكافحة التضخم وزيادة معدلات النمو الاقتصادي ومعالجة مشكلتي البطالة والفقر بالوقت نفسه.

 

ويعد الإصلاح المالي نقطة الانطلاق في عملية الإصلاح الاقتصادي سواء على صعيد الإنفاق العام بشقيه الجاري والاستثماري أو على صعيد الموارد وفي مقدمتها الموارد الضريبية بشقيها المباشرة وغير المباشرة.
فضلاً عن ذلك فإن اقتصاديات الدول في ظل العولمة ووجود التكتلات الاقتصادية الدولية والإقليمية ومنظمة التجارة العالمية وضرورة التعامل مع المنظمات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أصبحت أكثر اندماجاً مع دول العالم، وبالتالي فإن أنظمتها الضريبية لا يمكن أن ينظر إليها بصورة منعزلة، إذ تتسابق معظم الدول إلى تطوير أنظمتها الضريبية بحيث تكون الضريبة أداة مشجعة للاستثمارات المحلية والأجنبية، وتنشيط الصادرات من خلال مساعدة المنتجات المحلية في الصمود أمام السلع الأجنبية عن طريق إعفاء الصادرات من الضرائب والرسوم كافة.
وقد كانت الأنظمة الضريبية في بداية الثمانينات من القرن الماضي في معظم البلدان النامية معقدة ومرهقة ومثقلة بمئات الضرائب دون أن يحقق أي منها عائداً كبيراً، وكانت لضرائب الإنتاج والاستهلاك أسعارٌ متعددة فضلاً عن صعوبة إدارتها، وكانت ضرائب الدخل مرتفعة تعيق عملية الاستثمار.
لذلك قامت معظم البلدان النامية وفي أثناء تنفيذها لبرنامج الإصلاح الاقتصادي بإعادة النظر بأنظمتها الضريبية بهدف تبسيطها وتطويرها بما يتماشى مع الفكر الحديث في مجال الضرائب الذي يستهدف تخفيض الضرائب عن مصادر توليد الدخل (الضرائب على الدخل: دخل الأرباح - دخل الرواتب والأجور) بهدف تشجيع الإنتاج والاستثمار والتصدير والتركيز على الضرائب على أوجه استخدامات الدخل (الضرائب على الإنفاق "الضريبة على القيمة المضافة - الضريبة على المبيعات") شريطة أن لا يؤثر ذلك على العدالة الضريبية وذلك من خلال زيادة الإعفاءات الشخصية والاجتماعية لذوي الدخل المحدود، ومن بين الدول العربية التي سارت في هذا الاتجاه مصر والأردن وتونس والمغرب.

أولاً: الضريبة والاستثمار

تؤثر الضرائب في قدرة واستعداد الأفراد والكيانات الاقتصادية المختلفة على تكوين الادخارات وبالتالي الاستثمار في مجالات متنوعة ومختلفة. وتعتمد هذه القدرة وهذا الاستعداد على السياسة الضريبية المتبعة وأنواع الضرائب ومعدلاتها وطبيعة القطاعات التي تفرض عليها ضرائب مختلفة دون غيرها، فضلاً عن طبيعة اقتصاد البلد وأنواع الأنشطة الاستثمارية المتداولة ومدى تقدم هذا الاقتصاد أو تخلفه. وهناك الكثير من المحددات الأساسية التي تتعامل معها السياسة الضريبية والتي تفرض نفسها على العلاقة بين هذا النظام والاستثمار ... فلقد تحدثت النظرية الكنزية عن الاستهلاك والدخل بوصفها محددات أساسية للادخار والاستثمار في مجتمع ما،  وتعد ضرائب الدخل من المحددات الأساسية للتأثير في مستوى الاستثمار ... إذ تبين أن زيادة معدلات الضريبة سيؤدي إلى عدم تشجيع الأفراد في توجيه مدخراتهم نحو الاستثمار في المجالات التي شهدت زيادة في معدل الضريبة. ففي (سيريلانكا) مثلاً، كانت المعدلات الضريبية في هذا البلد قبل عام 1977 عالية جداً. وبعد حصول التغييرات السياسية في سيريلانكا بعد عام 1977 حصلت تغيرات جوهرية في الضريبة تضمنت تخفيفاً في معدلات الضريبة فضلاً عن بعض أنواع الضرائب، مما أدى إلى زيادة ملحوظة جداً في الناتج القومي الإجمالي (من %14,5 قبل عام 1977 إلى 28,9% بعد عام 1977). من جهة ثانية، فإن الكثير من الحكومات في جنوب شرق آسيا رأت أن الضرائب وحدها غير قادرة على تمويل النفقات العامة، ولذلك فإنها تخلت عن فكرة زيادة معدلات الضرائب من أجل زيادة إيرادات الدولة، وبالتالي زيادة الإنفاق على القطاعات العامة بل إنها لجأت إلى إصلاح السياسات الضريبية من أجل السماح بتدفق الاستثمارات الأجنبية على وجه الخصوص وزيادة إيرادات الدولة من تدفق هذه الاستثمارات والإنفاق على الخدمات العامة. أما بعض الأنظمة الضريبية العربية في بداية الثمانينات من القرن المنصرم، فقد كانت معقدة ومرهقة ومثقلة بعشرات الضرائب دون أن تحقق أية موارد ذات شأن ... وإن ضرائب الإنتاج والاستهلاك كانت ذات أسعار متعددة، وتتسم بصعوبة إدارتها. وأن ضرائب الدخل كانت مرتفعة أيضاً. كل هذه المظاهر كانت تعيق الاستثمار ... ومع ذلك، فإن البعض من الدول العربية وغير العربية قد تخلت عن فكرة زيادة معدلات الضرائب من أجل زيادة إيرادات الدولة، بل إنها لجأت إلى إصلاح السياسات الضريبية من أجل السماح بتدفق الاستثمارات الأجنبية على وجه الخصوص، وزيادة إيرادات الدولة من تدفق هذه الاستثمارات والإنفاق على الخدمات العامة.
ثانياً: استخدام الضريبة في تنشيط حركة الاستثمارات
تستخدم الكثير من الدول، السياسة الضريبية ضمن آلية تشجيع الاستثمارات. وقد أصدرت قوانين خاصة للاستثمار بشكل يمكن ملاحظة مدى وجود العلاقة بين الضريبة والاستثمارات وتشخيص العناصر التي يمكن من خلالها صياغة آليات أو أدوات تُستخدَم في تشجيع تدفق الاستثمارات إلى البلد. فالدول المختلفة لا تتبع سياسات ضريبية متماثلة، وبالتالي فليس من الضروري أن تستخدم الآليات والأدوات نفسها لزيادة تدفق الاستثمارات.
إلا أن العلاقة بين الضريبة والاستثمارات تؤدي بالضرورة إلى تكوين ما يسمى بالمحفزات الضريبية التي ترد في القوانين الضريبية أو أي قانون آخر ذي علاقة بمنح معاملة ضريبية تفضيلية لبعض الأنشطة على حساب أنشطة أخرى أو لبعض المنظمات على حساب منظمات أخرى. ولكن المحفزات الضريبية عموماً تؤدي إلى تخفيض معدلات الضريبة أو العبء الضريبي. فالنوع الأول من التخفيض ينصب على معدل الضريبة نفسه، مثل تخفيض معدل الضريبة من (10%) إلى (%8) ... أما التخفيض من النوع الثاني فإنه ينصب على الأساس الذي تفرض عليه الضريبة كاستخدام طريقة القسط المتناقص في معالجة الاندثار بحيث يؤدي ذلك إلى تخفيض الدخل الخاضع للضريبة في أثناء السنوات الأولى من النشاط وبالتالي تخفيض مقدار الضريبة. وهناك عدة أنواع من المحفزات الضريبية التي تساعد على تشجيع الاستثمارات لعل أهمها توفير المناخ الملائم للاستثمار.
المناخ الاستثماري:
إن الحركة الصناعية والتنمية الاقتصادية في البلد بحاجة إلى خلق مناخ استثماري ملائم من شأنه المساعدة على جذب الاستثمارات باختلاف أنواعها. فحالة المناخ الاستثماري تنطوي على أهمية كبيرة في جذب وتحديد حجم الاستثمار المحلي أو الأجنبي الذي يبحث عن أفضل الفرص في البلدان المختلفة، خاصة النامية منها ... إذ أخذ موضوع تشجيع انسياب رؤوس الأموال الأجنبية يطرح نفسه بين مختلف الدول، خاصة التي تفتقر إلى مصادر رأسمالية مناسبة لاستغلال مواردها الطبيعية وتحقيق التنمية الاقتصادية فيها. إن وجود المناخ الاستثماري الضروري لجذب الاستثمارات يُعدّ ضرورة ملحة في هذا المجال ... وباعتقادنا أن خلق هذا المناخ يتطلب العمل باتجاهين، الأول والمهم إعادة الثقة بالمناخ الاستثماري في البلد من خلال إصدار التشريعات الضرورية لذلك، وتقديم الدليل على استقرار تلك التشريعات، لأن المستثمر يريد أن يطمئن للأطر التشريعية الثابتة لا أن يكون الأمر مرهوناً برغبة المسؤول بالدولة، والثاني تمهيد الظروف الموضوعية لحركة رأس المال الوطني ليأخذ طريقه نحو استغلال الطاقات المتوافرة. ولاشك أن ذلك يتطلب اتخاذ العديد من القرارات الصعبة والخطوات الضرورية في هذا المجال التي من بينها إعادة النظر بسياسة الدولة تجاه النشاط الخاص وإمكانية تأسيس مصارف خاصة أو صناديق تمويل متخصصة وتوفير المناطق الصناعية في البلد، وتنمية الصناعات الزراعية المختلفة وإعادة تأهيل المشاريع المتوقفة عن العمل وتفعيل المؤسسات الاقتصادية القائمة لاسيما المصارف المتخصصة كالمصرف الصناعي والمصرف الزراعي.
وعلى مستوى الاقتصاد القومي يتعلق الاستثمار بالإنفاق  الرأسمالي على المشروعات الجديدة في قطاعات المرافق العامة والبنية التحتية مثل مشروعات شق الطرق الرئيسة والفرعية ومشروعات مد المياه وإنشاء شبكات الصرف الصحي وتهيئة المخططات العمرانية ومشروعات البناء والإسكان، وإيصال الكهرباء، وتوليد الطاقة، ومشروعات التنمية الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة والاتصالات، والمشروعات التي تتعلق بالنشاط الاقتصادي لإنتاج السلع والخدمات في القطاعات الإنتاجية والخدمية كالصناعة والزراعة والإسكان والصحة والتعليم والسياحة، وغيرها. فضلاً عن إضافة طاقات إنتاجية جديدة إلى الأصول الإنتاجية الموجودة في المجتمع بإنشاء مشروعات جديدة أو التوسع في مشروعات قائمة، أو إحلال مشروعات انتهى عمرها الافتراضي أو تجديدها، وشراء الأوراق المالية المصدرة لإنشاء مشروعات جديدة.
ثالثاً: أثر الضرائب على المقدرة والرغبة في الاستثمار
يعتمد الاستثمار بشكل أساس على مستوى الادخار في الاقتصاد. فالضرائب الموجهة للمدخرات ستعمل على تقليل التمويل اللازم والمتاح أمام المستثمرين، ومن جهة أخرى، فإن فرض ضرائب على أرباح الاستثمارات سوف يقلل من جاذبية هذه الاستثمارات عن طريق تقليل معدل العائد على الاستثمار. ويمكن أن يؤدي إلى فرض ضرائب على الاستثمار إلى أن يتجه المستثمرون إلى تلك الاستثمارات التي لا تدر دخلاً نقدياً مباشراً من أجل تقليل التزاماتهم الضريبية. وتقوم العديد من الدول النامية باتباع ما يسمى بالحوافز الضريبية، والتي تهدف إلى جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية لاستثمارها وتوطينها في الاقتصاد المحلي. وتتمثل الحوافز الضريبية فيما يلي:
أ‌- الإعفاء الضريبي:
ويتمثل ذلك في إلغاء الضريبة المفروضة أو جزء منها عن نشاط استثماري معين مما يزيد من ربحية هذا النشاط، فيعمل على جذب المستثمرين ورؤوس الأموال إليه. ومن الأنشطة المميزة التي تعفى من الضريبة تلك المشروعات التنموية. ب‌- إعفاء التكاليف:
إعفاء تكاليف الأبحاث وتطوير الإنتاج ورفع كفاءة استخدام الموارد المحلية. وحسم نفقات تدريب الملاكات الفنية العاملة في المشروع.
ج‌- شفافية النظام الضريبي واستقراره:
إن من أهم العوامل الجاذبة للاستثمار هو شفافية النظام الضريبي القائم، ووضوح النسب الضريبية وثباتها، مما يقلل التغيرات المفاجئة في النظام الضريبي.
رابعاً: مفاهيم أساسية حول طبيعة الاستثمار
تحظى عملية الاستثمار من بين العديد من الفعاليات الاقتصادية بأهمية كبيرة كون الاستثمار يمثل العنصر الحيوي والفعال لتحقيق عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن أي زيادة أولية في الاستثمار سوف تؤدي إلى زيادات في الدخل من خلال مضاعف الاستثمار. فضلاً عن أن أي زيادة في الدخل لابد أن يذهب جزء منها لزيادة الاستثمار من خلال ما يسمى بالمعجل (المسارع). ومن ناحية أخرى يمكن القول إن كل عملية استثمار لابد أن يرافقها مستوى معين من المخاطرة، ولابد أيضاً أن تحقق مستوى معيناً من العائد.
أهمية الاستثمار:
يمكن تلخيص أهمية الاستثمار بالنقاط التالية:
- زيادة الدخل القومي
- خلق فرص عمل
- دعم عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية
- زيادة الإنتاج ودعم الميزان التجاري وميزان المدفوعات
وقد أولت الدول المتقدمة اهتماماً كبيراً بالاستثمار، لا سيما في مجال المنظومة الضريبية من خلال قيامها بإصدار القوانين والتشريعات المشجعة للاستثمار واللازمة لانتقال رؤوس الأموال. أما في الدول النامية فلم يعطَ هذا الموضوع الاهتمام الكافي على الرغم من ندرة رأس المال في هذه الدول. وتعود هذه الندرة في رأس المال للأسباب التالية:
- انخفاض معدلات نمو الدخل القومي.
- ارتفاع معدلات الاستهلاك.
- ارتفاع معدلات النمو السكاني.
- عدم توافر البيئة والمناخ الملائم للاستثمار.
- ضعف الوعي الادخاري والاستثماري.
- الاستخدام غير العقلاني لرأس المال المتاح.

 

 

الكاتب: مجلة مستثمرون. Posted in العدد الاول - مجلة مستثمرون - مقالات